فوزي آل سيف

39

من قصة الديانات والرسل

عناصر مشتركة أو تعددية دينية؟ (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإنجيل بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).[117] لتحديد دائرة البحث؛ سنميز في هذا الموضوع وفيما يأتي من المواضيع بين ثلاثة أقسام من الديانات:[118] 1/ الديانات السماوية التي ثبت بالجزم واليقين كونها كذلك، وعرف لها كتاب ونبي بالضرورة ـ بغض النظر عن كون هذا الكتاب تامَّ الصحة أو محرَّفًا ـ وهي بحسب الترتيب الزمني اليهودية والمسيحية والإسلام. وعندما نتحدث عن العناصر المشتركة بين الديانات السماوية فإننا نقصد هذا القسم أولًا وبالذات ثم غيرها إن تم البناء على كونها سماوية. 2/ الديانات التي هي محل نقاش ونظر في أنها سماوية أو لا؟ وهي وإن كانت في التعامل العملي والحكم الشرعي في دائرة أهل الكتاب (من حيث الطهارة والتزاوج معهم.. وسائر الأحكام) إلا أنها تبقى في دائرة النقاش والنظر، كالصابئة والمجوس (الزرادشتيين)وسيتم التعرض لهذه الديانات فيما يأتي. 3/ الاتجاهات الدينية التي لا يعلم بوجود مصدر سماوي لها من كتاب أو رسول، إن لم يعلم بعدمه، ويترتب على ذلك أحكام في التعامل الشرعي مع أتباعها مثل الهندوسية والبوذية والطاوية والكونفوشية وغيرها من النحل التي لها أتباع في العالم. والبحث في العناصر المشتركة يتم في القسم الأول كما مر، فإن الباحثين في الأديان يلاحظون أنّ هناك عناصر مشتركة بين هذه الديانات على مستوى العقائد الأساسية كالإيمان بالله والأنبياء واليوم الآخر، أو على مستوى العبادات كالصلاة والصيام والجهاد وإلى حدّ ما الحج والزكاة[119]، وهكذا بالنسبة الى التشريعات الاجتماعية والأخلاق. الفرق بين العناصر المشتركة وبين التعددية الدينية: إن من المهم جدا أن نفرق بين ما نبحث فيه من (وجود عناصر مشتركة بين الديانات) وبين المصطلح الشائع الآن في الساحة الثقافية العربية والإسلامية بعنوان (التعددية الدينية)، فإننا عندما نتحدث عن العناصر المشتركة بين الأديان لا نقصد ما يعنون بعنوان (التعددية الدينية)،

--> 117 المائدة:47 118 يصر بعض الدعاة على أنه لا يصح أن نقول (ديانات أو أديان)، وإنما هو دين واحد وأما ما لدى اليهود والنصارى فهو شريعة لقول الله تعالى من جهة (إن الدين عند الله الإسلام) ومن جهة أخرى يقول (لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجا)! كما يصرون على أنه لا يصح أن نطلق عليها أنها سماوية لأنها محرفة وغير حقيقية! وكلا الفكرتين لا تصح، وذلك أن معنى الدين الذي استعمل في النصوص الإسلامية ومنها القرآن هو المعنى اللغوي، وهو عبارة " الطَّاعَةُ، يُقَالُ دَانَ لَهُ يَدِينُ دِينًا، إِذَا أَصْحَبَ وَانْقَادَ وَطَاعَ " كما ذكره ابن فارس في مقاييس اللغة، أي الطريقة التي يسير عليها شخص منقادا ومطيعا وبهذا المعنى لا مشكلة في القول دين اليهود ودين النصارى ودين المجوس، وقد جاء في القرآن (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) في سورة يوسف: 76. وأما وصفها بأنها سماوية فهو بالنظر إلى منشئها وأصلها لا محذور فيه، ولهذا خاطب الله سبحانه اليهود والنصارى زمان النبي صلى الله عليه وآله بـ (يا اهل الكتاب) مع أن كتابهم في ذلك الوقت كان محرفا! ولذا أيضًا رتب العلماء الآثار الفقهية على هؤلاء إلى ايامنا هذه مع كون الكتاب محرفا! 119 للتفصيل يراجع سلسلة تشريع العبادات للمؤلف